سيد جمال الدين الحسيني الأفغاني ( اعداد سيد هادي خسرو شاهى )
30
خاطرات جمال الدين الحسيني الأفغاني ( آراء وأفكار )
للتعليم وعني والده بتربيته ، فأيد العناية به ، قوة في فطرته وإشراق في قريحته وذكاء في مداركه ، فأخذ من بدايات العلوم ، ولم يقف دون نهاياتها . تلقى علو ما جمة برع في جميعها ، فمنها : العلوم العربية من نحو وصرف ومعان وبيان وكتابة وتاريخ عام وخاص ، ومنها علوم الشريعة من تفسير وحديث وفقه وأصول فقه وكلام وتصوف - ومنها علوم عقلية - من منطق وحكمة عملية سياسية ومنزلية وتهذيبية وحكمة نظرية طبيعية وإلهية - ومنها علوم رياضية ، من حساب وهندسة وجبر وهيئة أفلاك ومنها نظريات الطب والتشريح . أخذ جميع تلك الفنون عن أساتذة ماهرين على الطريقة المعروفة في تلك البلاد وعلى ما في الكتب الإسلامية المشهورة واستكمل الغاية من دروسه في الثامنة عشرة من عمره . ثم عرض له سفر إلى البلاد الهندية فأقام بها سنة وبضعة أشهر ، ينظر في بعض العلوم الرياضية على الطريقة الأوروبية الجديدة . وأتى بعد ذلك إلى الأقطار الحجازية لأداء فريضة الحج ، وطالت مدة سفره إليها نحو سنة وهو ينتقل من بلد إلى بلد ومن قطر إلى قطر ، حتى وافى مكة المكرمة في سنة 1273 ه فوقف على كثير من عادات الأمم التي مر بها في سياحته ، واكتنه أخلاقهم وأصاب من ذلك فوائد غزيرة ، ثم رجع بعد أداء الفريضة إلى بلاده ، ودخل في سلك رجال الحكومة على عهد الأمير دوست محمد خان ، المتقدم ذكره . ولما زحف هذا الأمير إلى « هراة » ليفتحها ويملكها على سلطان أحمد شاه - صهره وابن عمه - سار السيد جمال الدين معه في جيشه ولازمه مدة الحصار ، إلى أن توفي الأمير وفتحت المدينة بعد معاناة الحصر زمنا طويلا . وتقلد الإمارة ولي عهد شير علي خان سنة - 1280 ه 1864 - وأشار عليه وزيره محمد رفيق خان ، أن يقبض على إخوته ، خصوصا من هو أكبر سنا منهم ويعتقلهم ، فإن لم يفعل سعوا بالناس إلى الفتنة وألبوهم للفساد طلبا للاستبداد بالإمارة . وكان في جيش هراة من إخوة الأمير ثلاثة ، محمد أعظم ، ومحمد أسلم ، ومحمد أمين ، فانتصر السيد جمال الدين لمحمد أعظم فلما أحسوا بتدبير الأمير